تراتيل ونقاش بين الشعراء والنقاد حول الإلقاء في بيت شعر نواكشوط

شهد بيت شعر نواكشوط مساء أمس (الخميس) أمسية شعرية ونقدية حاشدة، وذلك بحضور الأستاذ الدكتور عبد الله السيد مدير بيت الشعر – نواكشوط، وعدد كبير من النخبة والحضور.

وفي مداخلات عديدة، أثارت نخبة من الشعراء وأستاذة الأدب بجامعة نواكشوط موضوع “فن الإلقاء الشعري”، وذلك وسط الجدل المتصاعد بشأن التجربة الموريتانية في هذا المجال، والتي لا يعتبرها البعض من نقاط الضعف لدى العديد من شعراء البلاد.
وبينما طالب شعراء وباحثون بتطوير تجربتهم واستخدام تقنية أداء وأصوت متميزة، معتبرين الشعر “فنا مسموعا” أصر شعراء وأساتذة آخرون على ضرورة الحفاظ على موروث المحاظر الشنقيطية في مجال فن إلقائها للشعر.
وقال الدكتور أبوه ولد بلبلاه إنه يؤيد الاحتفاظ بالموروث الموريتاني في مجال إلقاء الشعر، وإن استفادة الشعراء من إلقاء شعراء آخرين يجب أن تكون في إطار الاستفادة من تجربة وليس إلغاء لأخرى، منوها أيضا إلى أن اللغة هي العمود الفقري للشعر، وأن الأخطاء اللغوية والأسلوبية يزحفان بسرعة على ما ينشد يوميا من قصائد.
وكان الشاعر المختار السالم قد اعتبر أسلوب كثير من الشعراء الموريتانيين في إلقاء الشعر “غير موفق”، على حد تعبيره، وقال إن طبيعة إلقاء الموريتانيين ضيعت تجارب مبدعة، وحجبت أصواتا كان يمكن أن تصل بإبداعاتها إلى جمهور أوسع.
بينما رأى الأستاذ الدكتور عبد الله السيد أن “فن القراءة الصوتية” من المعوقات التي يحتاج الموريتاني إلى إتقانه، ليس فقط في مجال إنشاد الشعر، بل في قراءة القرآن أيضا، مستدلا بأنه خلال أربع سنوات في عاصمة عربية لم ينجح في منصب الإمامة إلا موريتانيان بسبب أسلوب طريقة قراءتهما للنص القرآني، وهو أسلوب اعتبر أنه لا يوفي “الحدود المطلوبة من الجانب التطريبي” للمقروء.
وجدد ولد السيد مطالبته الشعراء الموريتانيين بمد بيت الشعر بدواوينهم لطباعتها، مذكرا بالمطبوعات الموريتانية التي صدرت عن دائرة الثقافة بالشارقة، ومشيرا إلى ضرورة الكتابة للمجلات الثقافية الصادرة بالشارقة، لما تحقق من انتشار وتميز.
وكانت الأمسية قد بدأت مع تراتيل شعرية ألقاها الشاعران: باب ولد أحمدو وأحمدو ولد المختار عالم، حيث استمع الحضور إلى عشر قصائد أغلبها من الشعر العمودي، وكانت متقاربة من حيث المواضيع والاهتمامات، وحتى البنية الشكلية للنصوص.
وبداية استمع الجمهور إلى الشاعر باب ولد أحمد، وهو من مواليد 1973، وفائز بجائزة اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين للإبداع (2014)، ومسابقة الشعر بمناسبة عيد الشباب المغاربي (1995)، وله ديوان تحت الطبع بعنوان “وشم على معصم الليل”.

ولد أحمدو حلق بالجمهور في جو صوفي يعبق بحب الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، مستنطقا القيم السامية التي بثها، وتجسدت في حب متجدد مع القرون والأجيال، ترجمه الشاعر من خلال قصيدته “أبا القاسم”، التي يقول مطلعها:
سبيلك في كل النواحي امتداده
على خلق كل البلاد بلاده
أضاء وهاد الكون والكــون دامس
وكان عصيا أن تضاء وهـــاده
على فترة والعالمون مظالــم
وأدرى بذاك الأمر من هم عباده
بعثت ووجه الأرض أغبر قاتم
ينوء بشر حيه وجماده
أبا القاسم الميمون أورثت واضحا
قويما تراءى يمنه ورشاده
وجئت نميرا كل نفس ترومه
بفطرتها ما إن يمل ارتياده.
إلى أن يقول:
وخير أمين بالأمين امتداده
لأنت الذي لولاك لم ينج هالك
ولا عبد الرحمن يوما عباده.
ومن التصوف والحب الأسمى، إلى الغزل في قصيدته “أحرف الشوق”، التي يقول فيها:
عرفت حبك عمرا بعد ما انتصـــفا
يا من ملكت زمام القلب فاعتــرفا
ما زلت أســـبح في عينيك تقذفني
هزَّات حـــبك في شطيهما صـدفا
تصارع الـــموج ألواحي وأشرعتي
لو أن موجــــــك بالألواح ما عصفا
المد والـــــــــــجزر أهداب أغازلها
ما أعذب البحر في عينيك مرتشفا
أســــــامر اللـــــيل أشباحا و أخيلة
و كـــم وقـفت شرودا حيثما وقفا
أحسُّـــــــــــني جرح أعوام تضمده
يداك ينزف في دنـــــــياك دون شفا
إلى أن يقول:
في عــــــالم الأنس والآمال جانحة
تـــــــــنادم العاشق الولهان ما اقترفا
خلف الرؤى و نسيم الحب وشوشة
تذيب في خــــــــافقينا عطرها شغفا
لو أن قارئة الفنـــــــــــجان تنصفنا
لـــــما تقسمنا عذَّالــــــــــــــــنا نتفا
ويقول من قصيدة “واد العقيق”:
املأ لك الكأس الشهي مُدامـــــا
واشرب هنيئا واسق معْك ندامى
واسبح بطرفك في الغيوم هنيهة
فــلربما تخفي الغــــيوم غماما
آيـات أفـــــراح تظـــــــــللُ أفقنا
ونسيمُ آمال يفوح خُــــــــزامى
ودوافع البسمات قد رسمت لنا
الذكرى على شفة الزمان غلاما.
لا يفوت ولد أحمدو أن يخبئ عيده في صورة باذخة كقوله:
أنا من ضمير الوهم جئتك راكضا
أحجوك تقتلُ داخلي الأوهاما
كنَّ العذارى والخمائل لوحــــة
والأفق صحو والقلوب ندامى
أيام كـــــــان دلالهـــــنَّ نواقس
يزجي من الشغف الطهور غراما.
واختتم ولد أحمدو تراتيله بقصيدته “حمحمة على البحر”، التي يقول فيها:

على ثبج..
يمدك موج.. ويرفض موج
وألواحك الخضرُ تنضو الطحالب ثوبا محاء
صواريك للريح للبرد حتى المدى مشرعَهْ
تخوض عباب الهجير.. مرايا السراب
يحاصرك الرخُّ وقت المغيب
فهذي قوادمه للوثوب
وتلك مخالبه المولعَهْ
وخلفك لليل أخبية
ونار تشبُّ لغير القرى
وفوقك نجم.. أضاع على المنحنى مطلعَهْ
فمن أقنع الدربَ للتوق عزما ؟
وتوقك للدرب من أقنعَهْ؟
أما الشاعر أحمدو بن المختار عالم، من مواليد 1988، وهو جامعي، وفضلا عن مجموعة من الدراسات والمقالات، له أربعة أعمل إبداعية (“دمع الحروف” (شعر)، و”مداءات الحنين” (شعر)، و”أوجاع النخيل” (رواية) و”الحائط القصير” (مجموعة قصص قصيرة)، وهو عضو اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين، ورئيس سابق لصالون مامون الأدبي، وعضو مؤسس في صحيفة لسان الضاد (الجامعية) وعضو في هيئة تحريرها، فقد رتل هو الآخر خمس قصائد تضيء على تجربة شعرية تتأصل نصا بعد آخر.
واستهل قراءته بقصيدته “مواجع النخيل”، التي يرثي بها الشاعر الموريتاني محمد كابر هاشم، ويقول فيها:
تغاضبنا الدنيا ويرحل كابر
كبيرا وأحزان الفراق أكابر

يجرعنا الدهر الخؤون مواجعا
تغص بها يوم الوداع الحناجر
يودعنا دفء القصائد والرؤى
لتوجعنا عند اللقاء المنابر
يغادرنا الشهم الكبير بحرفه
لتلهو بنا في كل سوق أصاغر
أكابر مهلا فالمراثي مواجع
وغائب لون الفقد بعدك حاضر
نعوا كابرا رمز الوفاء وصوته
فدارت علينا بالشجون الدوائر
نعوا كابرا استودعوه بحفرة
تلف بها صوت الجمال المقابر
كأن لم يكن فوق “النخيل” مرددا
“حديثا” له تهتز منا المشاعر
ويختمها بقوله:
أكابر نم حيث الحبور وظله
وحيث المروج الخضر حيث الأزاهر
وحيث رسول الله يكرم شاعرا
تولى إلى الله الكريم يناصر.
بعد ذلك قرأ قصيدته “مداءات الحنين”، التي مطلعها:
أطيلي السبح جهدك واستطيلي
وميلي للتداعي واستميلي
أصيخي للقوافي في عكاظ
ترددها البلابل في الأصيل
تطل بها المعاني والمباني
شموسا في مرايا الأرخبيل
تتوق لها القلوب وتلتقيها
بطرف _ من تدللها _ كحيل
يعللها انبعاث الشوق خمرا
يسلي عن عيون السلسبيل
إلى أن يستنطق محبوبته في “فجر المقيل”، حيث “ترف الأماني”، و”ذكرى المواجع”، التي لا يفوتها الشاعر بدعوته المحبوبة قائلا:
أعدي من ندى الماضي جفانا
وهزي جذع ذاكرة النخيل
وشمي من صبا نجد شذاها
يعتقه توله كل جيل
وضمي في منى أصداء جيل
له تهفو مجابات السبيل
تقفى إثر جيل قد تقفى
دليل الشوق يا لك من دليل!
تسامى في اشتياق واحتراق
به تطفو صبابات الذميل.
وقرأ قصيدته “الخالدون”، التي يقول فيها:
مروا هنا ، فهنا تاريخهم عبر
مروا هنا وهنا جسر الردى عبروا
شبوا هنا وهنا شاخت مواجعهم
لكنهم رغم جور الدهر ما انكسروا
عاشوا هنا وهنا عاشت كرامتهم
كانوا هنا وهنا معنى الإبا بذروا
شاخوا هنا وهنا شبت عزائمهم
ماتوا هنا وهنا من موتهم سخروا.
إلى أن يقول:
الحاملون جراح الأرض في دمهم
– والحالمون – ورغم العبء ما ضجروا.