المنهج الجديد لقراءة الشعر في مقاربات نقدية ببيت شعر نواكشوط (إيجاز صحفي)

أجمع باحثون ومثقفون مختصون على ضرورة البحث عن منهج جديد لقراء الشعر العربي، على أن يكون هذا المنهج المنشود شاملا في أبعاده الفنية والأدبية والغاياتية، ويستفيد من كل المدارس النقدية التي تدرس في الجامعات اليوم سواء على مستوى الدول العربية أو الدول الأخرى.

وجاء ذلك في جلسة مقاربات نقدية تحت عنوان “التداولية: نحو منهج جديد في قراءة الشعر”، نظمها بيت شعر نواكشوط مساء اليوم الخميس، وحاضر فيها بشكل مركزي الدكتور محمد الأمين ولد الشيخ أحمد وعقب عليها نقاشا كل من الأستاذ بجامعة نواكشوط الدكتور محمد الأمين ولد مولاي إبراهيم، والمثقف وأستاذ الرياضيات الدكتور محمد ولد سيدي عبد الله، فيما اختتم الأستاذ الدكتور عبد الله السيد مدير بيت شعر نواكشوط هذه الجلسة العلمية بتأكيده أن “التداولية جماع تخصصات متعددة بينها علم اللغة والمنطقة والفلسفة والبلاغة، وبالتالي يمكن أن تمد النقد الأدبي بإجراءات مفيدة”، مذكرا بأهمية الموضوع وصميميته في ترفيع الثقافة الشعرية إنتاجا ونقاشا ونقدا.
وكانت الجلسة قد بدأت بورقة قدمها الشاعر محمد المحبوبي المشرف الثقافي على بيت شعر نواكشوط، قدم من خلالها تعريفا ضافيا بضيف الجلسة د. محمد الأمين الشيخ أحمد وهو باحث وشاعر مهتم بالأدب والنقد والإعلام وتطور اللغة العربية في اللفظ والأسلوب وتعاطيها مع الحضارات عبر التاريخ وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ويعمل محاضرا في عدة هيئات متخصصة في اللغة والأدب والإعلام.
وقال المحبوبي إن د الشيخ أحمد، من مواليد 1983، متعدد الاهتمامات في المجال الأدبي واللغوي والثقافي والإعلامي، حيث أنه باحث في “لغة الإعلام والخطاب السياسي”، و”الأدب العربي الحديث”، و”المناهج النقدية الحديثة”، و”تحليل الخطاب”، و”الشعر الجاهلي”، و”النقد الثقافي”، و”الشعر الأندلسي”، و”الشعر الشنقيطي”، و”اللغة العربية لغير الناطقين بها”.
كما أنجز دراسات قيمة مثل “صناعة الصورة الشعرية في الشعر الجاهلي: عبيد بن الأبرص نموذجا”، و”الحضور الأندلسي في ثقافة الشاعر الشنقيطي”، و”الأثر المغربي الأندلسي في الثقافة الشنقيطية: الشعر نموذجا”، وهو أطروحة نال بها شهادة الدكتوراه.
ولد الشيخ أحمد، الحاصل على الدكتوراه في النقد الأدبي، والرئيس السابق لمنتدى القصيد الموريتاني، ويجيد أربع لغات عالمية، تحدث بشكل مفصل عن الخطاب الشعري بين بعده الجمالي وسياقه التداولي.
وأكد في هذا المجال، أن غالبية الباحثين المعاصرين تكاد تتفق على أن البحث التداولي يقوم على أربعة إجراءات مفاهيمية هي: الإشاريات أو المعينات، متضمنات القول، والإفتراض السابق والأقوال المضمرة، والاستلزام الحواري (الأفعال الكلامية(، إلى جانب مفهوم القصدية، ونظرية الملاءمة، ومفهوم الوظيفة وعلاقتها بالبنية، مفهوم الإحالة المرجعية، مفهوم السياق بنوعيه، الحجاج والإقناع…وغيرها من المفاهيم والإجراءات التداولية.
وقال “الحقيقة يمكن إيجاز أهم هذه النظريات على حسب جهة الاستعمال الملازم للوظيفة في النقاط الآتية:
• تقوم نظرية الأفعال الكلامية على ذلكم الفعل الكلامي المنجز من قبل المتكلم تجاه المتلقي المستمع . غير أنّ هذا الفعل الكلامي مقيّد من جهة هذه النظرية بما سمي بالقوة الإنجازية التي تختلف باختلاف مبدأ المقاصد القائمة بين المتكلم والمتلقي المستمع، وهذا النوع من الأفعال نجده بعدد هائل في عالم الخطاب الأدبي الشعري على حسب العلاقة التخاطبية القائمة بين الشاعر ومن يوجه إليه الخطاب في شكل أفعال كلامية مصحوبة بمقاصد متعددة.
• فيما يتعلق بالاستلزام الحواري فهو عبارة عن نظرية تداولية همها الوحيد هو ذلكم الفعل التحاوري القائم بين الباث المتكلم والمتلقي المستمع على حسب العلاقة التي يؤديها الحوار. بعبارة أدق ترجع نشأة البحث في هذا المجال إلى “جرايس” وهو من أبرز فلاسفة مدرسة أكسفورد وأحد المنظرين للتداولية .وقد عمد إلى إيضاح الاختلاف بين ما يقال وما يقصد، فما يقال هو: ما تعنيه الكلمات والعبارات بقيمها اللفظية الظاهرة، وما يقصد هو: ما يريد المتكلم أن يبلغه السامع على نحو غير مباشر، اعتماداً على أن السامع قادر على أن يصل إلى مراد المتكلم بما يتاح له من أعراف الاستعمال ووسائل الاستدلال. فقد حاول بهذا العمل إقامة جسر يربط بين المعنى الصريح والمعنى المتضمن، ومن هنا نشأت عنده فكرة الاستلزام. بل أبعد من ذلك أنّه رأى من جهة شمولية الاستلزام أنّه يتوزع إلى نوعين اثنين:أحدهما عرفي والآخر حواري. فأما الاستلزام العرفي فقائم على ما تعارف عليه أصحاب اللغة من استلزام بعض الألفاظ دلالات بعينها لا تنفك عنها مهما اختلفت بها السياقات وتغيرت التراكيب، ومن ذلك مثلا لفظة (لكن) في اللغة العربية، فهي تستلزم دائما أن يكون ما بعدها مخالفاً لما يتوقعه السامع مثل: “زيد غني لكنه بخيل”. وأما الاستلزام الحواري فهو متغير دائماً بتغير السياقات التي يرد فيها. فحين يقال:”كم الساعة” ؟ فإن مقصد المتكلم يختلف حسب السياق الذي وردت فيه الجملة، فقد يكون سؤالاً، وقد يكون توبيخاً للتأخر.
• أما نظرية الاقتضاء أو ما تسمى بالافتراض المسبق فتعنى أساسا ذلكم الافتراض السابق بالمعلومات المشتركة بين المتكلم والمتلقي؛ فإذا قال رجل لرجل آخر (اغلق النافذة)، فالمفترض سلفا أن النافذة مفتوحة، وأن هناك مبررا يدعو إلى إغلاقها، وأن المخاطب قادر على إغلاقها، وأن المتكلم في منزلة الآمر، وكل ذلك موصول بسياق الحال وعلاقة المتكلم بالمخاطب؛ وتتضح أهمية الافتراض السابق في تأسيس المتكلم حديثه وتواصله مع المتلقي على أساس المعلومات السابقة المشتركة بينهما.
• وأخيرا نظرية الملاءمة وهي النظرية التي تجعل من الفعل الكلامي المرسل من قبل المتكلم يحقق ملاءمة مع واقع المتلقي ومقتضيات تصوراته مما يؤدي في النهاية إلى تحقيق بعد تواصلي إبلاغي.
وخلص ولد الشيخ أحمد إلى القول “على هذه الشاكلة المختصرة في شأن التصور التداولي الملازم للخطاب الأدبي الشعري نجد كل النظريات الأربع تحقق نوعا من الاستجابة مع شمولية الخطاب الشعري بما يحويه من جمالية فنية من جهة وأبعاد تواصلية وفق ما يستدعيه السياق التداولي من جهة أخرى”.
واختتم ولد الشيخ أحمد مقارباته بتعريف اللغة الشعرية وخصائصها، ضمن أنساق النقد الأدبي وتحولاته بين الألفاظ والمعنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *